محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عباس قال : قال علي بن أبي طالب : ألا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال قلنا : نعم ! فتوضأ ، فلما غسل وجهه ، ألقَم إبهاميه ما أقبل من أذنيه . قال : ثم لما مسح برأسه مسح أذنيه من ظهورهما ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قولُ من قال : " الوجه " الذي أمر الله جل ذكره بغسله القائمَ إلى صلاته : كل ما انحدر عن منابت شَعَر الرأس إلى مُنقطع الذَّقَن طولا وما بين الأذنين عرضا مما هو ظاهر لعين الناظر ، دون ما بطن من الفم والأنف والعين ، ودون ما غطاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين ، ودون الأذنين . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب = وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان " وجها " يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته = لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه ، ثم هم - مع إجماعهم على ذلك - مجمعون على أن غسلَ ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ . فإذْ كان ذلك منهم إجماعا بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على ذلك ، فنظير ذلك كل ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خلقه ساتِرَه لا يصل الماء إليه إلا بكلفة ومؤنة وعلاج ، قياسا لما ذكرنا من حكم العينين في ذلك .
--> ( 1 ) الأثر : 11430 - " محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة " . ثقة ، مضى برقم : 11329 . و " عبيد الله الخولاني " ، هو " عبيد الله بن الأسود " ، ويقال : " عبيد الله بن الأسد " ربيب ميمونة ، روى عنها ، وعن ابن عباس . ثقة . وهذا الخبر رواه أبو داود في السنن 1 : 64 ، رقم : 117 ، ورواه أحمد في المسند رقم : 625 ، مطولا ، وقد ضعف البخاري هذا الحديث وقال : " ما أدري ما هذا " ، ولكن أخي السيد أحمد صححه في شرح هذا الخبر في المسند .